التخطي إلى المحتوى الرئيسي

من يشتريني لذاتي..

من يشتريني لذاتي؟

ذلك النور المضيء حولي يختفي مع شدة القرب، فترأني كما أنا، باهتًا شاحبًا يملك وجهًا سعيدًا بكثيرٍ من الحزن، يضرب الألم صدره دون رحمة، حتى صار لا يحتاج إلى التدخين ليموت.

من يشتريني؟

حتى لو ضرب الوهن جسدي، حتى لو صرت فاشلًا في كل الأشياء، حتى لو زاد وزني أضعافًا مضاعفة، حتى لو أصبحت سكيرًا لا أملّ الحانات الليلية، حتى لو تشوه وجهي، حتى لو لم يبقى مني شيئًا سوى أنا، من سيمسك بيدي حين يتوجب عليه أن يفلتها؟ من سيحارب معي قبل الموت؟ من سيمسح دموعي قبل أن تبلل لحيتي؟ من سيهتم بانجازاتي الصغيرة؟ من سيأتي إلى مسرحي في السابعة صباحًا، ليشاهدني لمدة ساعتين صامتًا على الخشبة دون حركة؟ من سيحتضنني قبل السقوط؟ من سيغير وجهة نظري عن العالم؟ من يضع في عقلي قدرًا من السعادة؟ حتى لو بسيط، بسيط جدًا.

ليت صدري لفافة من التبغ وتتبدل أنفاسي بالدخان، وأفنى بزوال الغرض والمتعة، ليتني سيجارًا ضخم في يد رجل أعمال يراقب أسهم البورصة بخوف، أو سيجارة فرط كيلوباترا في يد عامل بناء يقتل بها تعبه وملله من نهج الحياة، أو سيجارة كابتن بلاك في يد عازف جيتار، يناجي القمر دون جدوى، أو في يد عاهرة تمارس لأول مرة بعد أعوامٍ كثيرة الحب لا الرزيلة، ليت مروري سريعًا، وأهون على الناس الخوف والحيرة.
لم أدخن أبدًا، لكني أحمل في صدري الكثير من دخان احتراقي المتكرر.

إنه النقص الدائم، فمطالبي تتخطى حدود الدنيا، فأكتب لأني لا أستطيع سباب العالم والحياة من فوق كوبري قصر النيل خوفًا من الشرطة، أو التبول في وجه من نعتني بالفاشل، أو آخذ عناقٍ طويل من حبيبتي في منتصف عربة المترو قبل الرحيل.. وُلدنا في فلكٍ محدود، فُرضت علينا اختياراتنا، وحدود الحركة تولد النظر خارج السور.

في نهاية الطريق سيدة تضحك مع ولدها الصغير وأمامهم بعض المناديل، سيأتي شرطي حالًا، ليأخذ كل ثروتهم في الحياة ستبكي الأم، ويفزع الولد لبكاء أمه، ألا يكفي هذا للحزن؟ ألا تكفي الشباب في السجون لوصف العالم بالمظلم؟ كل الحروب تقتل وكل الشعوب تموت، ونحن عاجزون تائهون بلا جدوى، نحب القمر والنجوم والورد المباع على الأرصفة، وتفتح شهيتنا أحقر الأطعمة، ونفضل التسكع على الإستقامة، نحن صعاليك هذا الكون، يدُمع أعيننا موت الفأر بالمصيدة، وكلنا فئران، نحتسي المُر بضحكاتنا الساخرة، لا نخشى الموت ونخاف المرض لأنه يقتل ببطء، وتهون الحياة في نظرنا في الحرب، نسب العالم كل ليلة، ونعلم صعوبة الموقف، لكن لا مفر.

لم يحبنا العالم يومًا، لكننا هنا في كل الحواري والكمائن وعلى الأرصفة، نضيف للحياة نكهة وشتائم جديدة من تأليفنا ونكاتًا لا يفهمها غيرنا، نحن ولا غيرنا سبب استمرارية ذلك الكون، فنحن الحطام الذي يدهسه الكون ليرتفع وليكتمل ويذهب بعيدًا عما هو عليه الآن.

أشعر بالغضب تجاه كل شيء، تجاه النظام الكوني بكل ما فيه، تجاه كل الدوائر التي رُسمت لنا، تجاه الموت والحياة وما بينهم من مصائر حُسمت بلا اختيار، تجاه السجون وقتلة الحروب، تجاه الخوف والبكاء، تجاه أبي وأمي، تجاه كل أصدقائي، تجاه الرحمة بداخلي، تجاه قلبي الذي يتسع الكون، تجاه الثقوب والندوب في جسدي، تجاه كل النصوص التي كتبتها، تجاه كل الأحلام التي قتلتني وقتلتها، تجاه الشر والخير، تجاه المرض والعجز، تجاه المخدرات والحب والمال والأديان، تجاه النوم والعزلة، تجاه البيت والشرفة، تجاه حبيبتي والقُبلة، تجاه الشوارع والبيوت، تجاه الليل والنهار، تجاه المقاهي والكراسي القديمة، تجاه القهوة وتأثيرها، تجاه نفسي، تجاه النجوم المطفئة، تجاه البوابات المغلقة، تجاه الوعود المعلقة، تجاه القبور التي تملىء الأرض، تجاه الدود الذي يأكل الموتى، وتجاه الكون التي تركنا هنا دون معجزة.

من يشتريني؟ .. من؟
لا أحد يشتريني للأبد.

تعليقات