التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من ديسمبر, 2018

من أجلكِ..

أستطيع بالطبع أن أبطئ حركات قدمي المتوترة، وأنتِ تحدثيني عن خوفي الزائد عن الحد. أن أمشي أكثر من خمسة كيلومترات دون أن يلحظ أحد نوبة الهلع التي تمر بي، وأن أقول سبع نكات متتالية، في أكثر لحظاتي حزنًا. أن أخفي دهشتي تمامًا، حين يقول متذاكي أمامي، قصة مثيرة، لأستمتع بخيبه أمله وهي تكبر أمامي، وأن أبدي مودة مجانية، تجاه الأشخاص اللطفاء المرتبكين. وتعرفين أنه بوسعي، أحيانًا، أن أعبر عن عواطفي متغلبًا على كل هواجسي بخصوص الأماكن والأزمنة. حياتي محصورة فعلًا، لكن بين المكانين اللذين أتحرك بينهما، أمشي في سبع طرق مختلفة، أكثر من خمسين عمارة وأكثر من أربعين محل، فيهم أكثر من ألف شخص، أصادف في الشوارع على الأقل، ثمانين شخصًا يوميا، وأستمتع معهم بعشرات القصص التي لا تحدث إلا في خيالي، لكنها تحدث. أصدقائي قلائل، لكنهم أصدقاء فعلًا، ويمكنني السقوط عليهم في أي لحظة، دون أن أرتطم بالأرض. بل وحتى أستطيع أن أجعلك تكملين شكواكِ مني دون أن أقطعها بنكتة، على الأقل يمكنني دائمًا أن أحاول. أستطيع أن أحفظ أسرارًا لسنوات طويلة، حتى أنساها تمامًا، وأعرف بعض الأشياء، التي يمكنني -في بعض الأوقات- ...

ربما هذا أعدل ما في اللعبة..

لا أذكر شيئًا حدث كأنه حدث الأمس، إلا الأمس فعلاً.. كل ذكرى في مكانها، في سنها الصحيح، بصبيانتيها وغموضها وحكمتها المتأخرة. الطفل في الرحلة العائلية، الولد في ملعب المدرسة، المراهق الذي يسير في قطيع من الذئاب البشرية وراء فتاة ما، والشاب المتقد حماسة لنقد كل شيء. الطفل الذي يكتب مذكراته عن شجرة، والولد الذي يحاول مراوغة أصدقائه حين يسألونه عن "الجو" التي يكتب لها رسائل يومية، والمراهق الذي يكتب شعرًا شديد الركاكة، والشاب الذي يؤلف قصصًا رمزية يداري فيها ارتباكاته أمام عالم لا يكف عن التفتح. الولد الذي أخرجوه في مظاهرة لا يعرف سببها، والمراهق الذي يتسلل من المدرسة ليحضر مظاهرة تدعو لإصلاح غامض، والشاب الذي في خضم ثورة منتصرة، يخبر أصدقائه أنه لا حل سوى الهجرة، لأن كل شيء على شفا الانهيار. ما فعلته بالأمس، لم يمكنني فعله من سنة واحدة، من عامين فقط كنت أقل خوفًا وأكثر اقتحامًا، لكن أقل ثباتًا. ومن بضعة أعوام، ربما حتى كنت شجاعًا، وإن كنت أكثر هشاشة. البنت التي أعجبني لطفها.. ولدًا. والفتاة التي أحببتها.. مراهقًا. والشابة التي عشقتها.. شابًا. والمرأة التي أبرهتني ...