التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ربما هذا أعدل ما في اللعبة..

لا أذكر شيئًا حدث كأنه حدث الأمس، إلا الأمس فعلاً..

كل ذكرى في مكانها، في سنها الصحيح، بصبيانتيها وغموضها وحكمتها المتأخرة.
الطفل في الرحلة العائلية، الولد في ملعب المدرسة، المراهق الذي يسير في قطيع من الذئاب البشرية وراء فتاة ما، والشاب المتقد حماسة لنقد كل شيء.

الطفل الذي يكتب مذكراته عن شجرة، والولد الذي يحاول مراوغة أصدقائه حين يسألونه عن "الجو" التي يكتب لها رسائل يومية، والمراهق الذي يكتب شعرًا شديد الركاكة، والشاب الذي يؤلف قصصًا رمزية يداري فيها ارتباكاته أمام عالم لا يكف عن التفتح.

الولد الذي أخرجوه في مظاهرة لا يعرف سببها، والمراهق الذي يتسلل من المدرسة ليحضر مظاهرة تدعو لإصلاح غامض، والشاب الذي في خضم ثورة منتصرة، يخبر أصدقائه أنه لا حل سوى الهجرة، لأن كل شيء على شفا الانهيار.

ما فعلته بالأمس، لم يمكنني فعله من سنة واحدة، من عامين فقط كنت أقل خوفًا وأكثر اقتحامًا، لكن أقل ثباتًا.
ومن بضعة أعوام، ربما حتى كنت شجاعًا، وإن كنت أكثر هشاشة.

البنت التي أعجبني لطفها.. ولدًا.
والفتاة التي أحببتها.. مراهقًا.
والشابة التي عشقتها.. شابًا.
والمرأة التي أبرهتني على الدوام، مئات اللواتي أحنيت رأسي للنظر إليهن مرة أخرى.

المشي في طريق كل بيت سكنته، والمخاوف الهيستيرية التي أهرب منها من مكان لآخر فأجدها قد سبقتني.. تنهيدة الاقتراب من الأماكن القريبة من البيوت، وتنهيدة تحولها لأماكن غريبة تمامًا.

مئات المواقف المرتبكة التي بدت ثقيلة كالأبد، وانتهت حتى أن ترسخ نفسها في الذاكرة، وعشرات الدوائر التي تبدأ بالدهشة، فالصداقة، فالحميمية، فالانحلال..

في كل الأحوال، ستجر شبابك خلفك، والأفضل أن يكون صاخبًا ليؤنسك  كضوضاء مطمئنة بعيدة جدًا.

وفي كل الأحوال، ما تراه الآن سيزول من أمامك، والأفضل أن تتمعن فيه، ولتحن رأسك من أجل النظرة الثانية، فلا شيء أبعد من ذلك.

ومثل كل أحد، أكتسب حكمة مبتذلة وسخيفة وجبانة، في نظر نسخي الأكثر شبابًا، لكن لأن شيئًا لم يحدث بالأمس سوى الأمس، لا يمكن لماضيّ أن يلاحقني، مثلما لا يمكنني التشبث فيه..

ربما هذا أعدل ما في اللعبة.

تعليقات